محمد أبو زهرة
1279
زهرة التفاسير
بين اللّه سبحانه وتعالى في الآيات السابقة استهانة بعض أهل الكتاب الذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحق وتلبيسهم الحق بالباطل ، وكذبهم وافتراءهم على النبيين وعلى رأسهم أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، ثم بين تعصبهم ، وحرصهم على أن يظهروا بين الناس بأن الهداية في حوزتهم وحدهم ، وأن الناس ما عداهم دونهم ، ثم ذكر ما يتواصون به فيما بينهم من النفاق بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره ، لعلهم يفسدون بذلك عقائد المؤمنين ؛ وهكذا مما يدل على فساد اعتقادهم وعدم إذعانهم للحق ، وكذبهم فيما يدّعون . والكذب والخيانة توأم ، كما أن الصدق والأمانة توأم ، وفساد النفس يترتب عليه فساد العمل ، وعدم الإذعان للحق في الاعتقاد يترتب عليه عدم الإذعان للحق في المادة ، فإذا كان بعض أهل الكتاب قد كان منهم ذلك النفاق الديني ، فإنهم قد بدت منهم الخيانة المادية ، ولذا قال سبحانه : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً قسمان متقابلان أحدهما يبلغ الغاية من الأمانة ، فيعطيها عند طلبها مهما تكن قيمتها ؛ ومهما تكن نفاستها ، وعبر عن الكثرة بالقنطار من الذهب ، ولم يذكر كونه من الذهب ؛ لأنه مفهوم من السياق ؛ لأن الدينار لا يكون إلا من الذهب ، فلا بد أن يكون القنطار الذي يكون في يد الأمين من الذهب ، وهذا القسم الذي يكون على هذا القدر من الأمانة هو الذي يجيب داعى الحق ويؤمن به إذا دعي إليه ؛ لأن التسليم بالحق في الماديات التي تصورها الأمانة لا ينشأ إلا من ينبوع النفس التي تؤمن بالحق في المعنويات ؛ بل إن هذا في الحق ينته إلى معنى الأمانة ؛ لأن نصر الحق والإذعان له بعد قيام الدليل عليه نوع من الأمانة ، إذ إن اللّه سبحانه أودعنا هذه القوى المدركة لنجعلها للحق وللنفع ، فذو العلم عليه أن يؤدى أمانة العلم ، وذو المال عليه أن يؤدى أمانة المال ، ومن قام بين يديه الدليل على صدق دعوة إلى الحق لا يكابر ولا يمارى ، وكانت الأمانة أن يعلن تلك الحقيقة ويناصرها ويؤيدها ، ولذلك قال كثيرون من العلماء : إن الأمانة